هل يكفُل حق “تقرير المصير” الحق في الاستقلال من طرفٍ واحد؟

ملخص: نشهد في وقتنا الحاضر صعود عدة حركات انفصالية في أنحاء العالم، خطابها السياسي مبني على أحقية الشعوب في استخدام حق تقرير المصير. ويُمكن رؤية أصداء هذه النزعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأفضل مثالٍ على ذلك هو استفتاء الاستقلال الذي أجرته حكومة كردستان الإقليمية في العراق.

لا شك أنَّ حق تقرير المصير مكفولٌ في إطار القانون الدولي، لكن من الممكن الدفع بأنَّ استخدام حق تقرير المصير كان في سياقٍ استعماري قبل نصف قرن، من أجل تسهيل الاستقلال القانوني للدول المُستعمرة. والآن أصبحت طريقة استخدام حق تقرير المصير مسألةً خلافية جدًّا. وما يبدو هو أنَّ أي استخدامٍ لحق تقرير المصير يُمهِّد الطريق للاستقلال من طرفٍ واحد، ومن ثمَّ يقوِّض السلامة الإقليمية للدول القائمة – هو استخدامٌ لن يقبل به المجتمع الدولي. ومن منظور الواقعية السياسية، فإن تجاوُز الإطار الدستوري المُلزم للـ”شعوب” المختلفة، أي الجماعات العرقية والدينية وغيرها داخل الدول، وتمهيد الطريق لانفصالها التعسفي عن دولها – يُمثِّل مجددًا تهديدًا كبيرًا لحفظ السلام على المستويين المحلي والعالمي.

غير أنَّ التغافل عن المظالم الجادة للشعوب المختلفة داخل الدول القائمة وتعريف استخدام حق تقرير المصير في السياق الاستعماري فقط هي أمورٌ يُجانبها الصواب وتفتقر إلى الاتساق مع الواقع السياسي. ومن ثمَّ فإن التركيز المُفرط على تقسيم تقرير المصير إلى شقٍ داخلي وشقٍ خارجي والنظر في كيفية استخدام حق تقرير المصير على أساس الشق الداخلي هو الخيار الأفضل فيما يبدو.

شهِد المجتمع الدولي في الأشهر الأخيرة صعود نزعةٍ عالمية: المُحاولات الجريئة من جانب الكيانات الانفصالية أو ذاتية الحُكم للحصول على استقلالها من الدول القائمة التي هي جزءٌ منها. وبينما تصاعدت التوترات في أنحاءٍ مُختلفة من العالم، من الكاميرون إلى إسبانيا إلى إيطاليا، لم يكُن متوقعًا أنَّ هذه النزعة ستمر مرور الكرام على الشرق الأوسط. وفي أعقاب إجراء حكومة كردستان الإقليمية في العراق استفتاء الاستقلال في سبتمبر/أيلول، تصاعدت مخاوف الأنظمة الحاكمة في كثيرٍ من دول المنطقة من محاولاتٍ مُشابهة داخل دولها، واحتل مفهوم حق تقرير المصير مكانًا على أجندة الدول في أجزاءٍ أخرى من العالم. غير أنَّ ما جعل مفهوم الحق في تقرير المصير حديثَ الساعة على المستويين العالمي والمحلي هو تصعيد الأزمة بين الحكومة الإسبانية وحكومة كتالونيا الإقليمية؛ إذ تُعتبر مُحاولة الحكومة الكاتالونية هي الأبعد تأثيرًا من بين كل الحركات الانفصالية.

إنَّ التوترات بين حكومة إسبانيا وحكومة كتالونيا الإقليمية التي تصاعدت بسبب استفتاء الاستقلال الذي أُجري في بداية أكتوبر/تشرين الأول بمُبادرةٍ أُحادية من حكومة كتالونيا – بلغت أقصاها بعد إعلان كتالونيا الاستقلال من طرفها عن إسبانيا في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2017. واستجابت الحكومة المركزية بسُرعةٍ فائقة لإعلان الاستقلال، وأصدرت قرارًا بحل حكومة كتالونيا وبرلمانها. وصرَّح ماريانو راخوي رئيس الوزراء الإسباني بوضوح أن مُحاولة الاستقلال تستهدف تحقيق هدفٍ “مستحيل”[1].

إنَّ التطورات الأخيرة في كتالونيا – باعتبارها المثال الصارخ على النزعة العالمية الحالية للحركات الانفصالية/الاستقلالية – تطرح قضيةً بالغة الأهمية متعلقة بحاضر القانون الدولي المعنيّ ومُستقبله: هل يُمكن فعلًا إعلان الاستقلال عن دولةٍ قائمة من طرفٍ واحدٍ استنادًا إلى “الحق في تقرير المصير”؟

ومن فضول القول أنَّ إجابة هذا السؤال تحمل أهميةً كُبرى لمستقبل الشرق الأوسط كذلك؛ نظرًا إلى وجود احتمالاتٍ قوية لحدوث محاولاتٍ مُشابهة في المنطقة في المستقبل القريب.

هل هناك قاعدة عامة مُلزمة فيما يخص حق تقرير المصير؟

لنكن واضحين من البداية، يُمكن الإجابة عن هذا السؤال فورًا: حق تقرير المصير من القواعد القطعية، كما قضت لجنة القانون الدولي بوضوح[2]. ويعني هذا أنَّ أي تشريعٍ مُخالفٍ لهذه القاعدة تشريعٌ باطل. غير أنَّ حقيقة أنَّ حق تقرير المصير قاعدة قطعية مذكورة في ميثاق الأمم المتحدة، وحقيقة أنَّ محكمة العدل الدولية قد لجأت إلى مبدأ تقرير المصير في كثيرٍ من القضايا مثل قضية تيمور الشرقية – لا تعنيان أن أي حركةٍ استقلالية يُمكنها إعلان الاستقلال وإنشاء دولةٍ جديدة استنادًا فقط إلى حق تقرير المصير. ومع أنَّ نِطاق حق تقرير المصير مسألة خلافية، يشيع الاتفاق على أنَّ الحق يُمكن استخدامه في تبرير إعلان الاستقلال من طرفٍ واحد فقط في حالة استخدامه ضد الدول المهيمنة أو المحتلة. ومن ثمَّ يمكن أن نقول إنَّ حق تقرير المصير لا يُمكن استخدامه استخدامًا غير مشروط في تمهيد الطريق إلى الاستقلال في حالةٍ مثل حالة كتالونيا.

إنَّ الجذور التاريخية لمفهوم “تقرير المصير” عُمرها قرون، لكنَّ المفهوم انتشر في القرن العشرين، واستخدمه طيفٌ واسع من السياسيين؛ منهم الرئيس الأميركي وودرو ويلسون، ومؤسس الاتحاد السوفيتي فلاديمير لينين. غير أنَّ إصدار ميثاق الأمم المتحدة في عام 1945 كان المرة الأولى التي تجاوز فيها المفهوم نطاقَ الخطاب السياسي ليصير مصطلحًا قانونيًا[3]. وذُكِر مبدأ تقرير المصير في ميثاق الأمم المتحدة أكثر من مرة، تحديدًا في الفقرة الثانية من المادة الأولى من الفصل الأول، وفي المادة الخامسة والخمسين من الفصل التاسع. وفتح هذا بابَ نقاشٍ جديد حول فحوى مبدأ تقرير المصير: ما شكل الحق الذي يكفله هذا المبدأ في سياق القانون الدولي؟

حين نستعرض المواد السابق ذكرها من ميثاق الأمم المتحدة بطريقةٍ حرفية، نجد أنَّ تقرير المصير لم يُذكر باعتباره غايةً يجدر بلوغها، بل وسيلة تحمي السلام العالمي والعلاقات الودية بين الدول. ومن ثمَّ نستنتج أنَّ مبدأ تقرير المصير عنصر مشروط لا يمكن الاستناد إليه في كل قضية. باختصار، فإنه من منظور ميثاق الأمم المتحدة، لا يُنتج مبدأ تقرير المصير قاعدةً مُلزمة عامة قاطعة في إطار القانون الدولي[4]. وبما أنَّ ميثاق الأمم المتحدة لا يمهد الطريق لأي حركات استقلالية استنادًا إلى حق تقرير المصير؛ فإنَّ حقيقة أنَّ كل الدول مُلزَمة بالميثاق لا أهمية لها في هذا الصدد.

وهُناك حدثان لهما أهمية بالغة في عملية تطور مفهوم حق تقرير المصير: قرار الأمم المتحدة رقم 1514 لعام 1960، وقرار الأمم المتحدة 2625 لعام 1970.

كان قرار الأمم المتحدة رقم 1514 لعام 1960 حجر أساسٍ للشعوب المُقاومة لهيمنة القوى الاستعمارية. وكان بالغ الأهمية لأنَّه يُعرِّف حق تقرير المصير تعريفًا أوضح بكثير مُقارنةً بميثاق الأمم المتحدة. غير أنَّ موضوع القرار الذي حمل عنوان “إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المُستَعمَرة” كان البلدان والشعوب المُستَعمَرة فقط. ومن ثمَّ لا علاقة لهذا القرار بالقضايا المُعاصِرة مثل كتالونيا أو إقليم كردستان.

وقرار الأمم المتحدة رقم 2625 لعام 1970، الذي مررته الجمعية العامة في الذكرى السنوية الخامسة والعشرين لتأسيس الأمم المتحدة بعنوان “إعلان مبادئ القانون الدولي المتصلة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقًا لميثاق الأمم المتحدة[5]” – كان أيضًا حدثًا بالغ الأهمية، وضع تعريفًا أكثر تفصيلًا لحق تقرير المصير. وركَّز الإعلان على حق الشعوب في تحديد وضعها السياسي بحرية دون مواجهة أي تدخلٍ خارجي، وحقها في تدبير الموارد اللازمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وركز الإعلان أيضًا على إلزام الدول باحترام حقوق الشعوب، ومنع أي تحركٍ قد يحرم هذه الشعوب من حقها في الحرية والاستقلال. غير أنَّ هذا الإلزام جاء مرتبطًا بأهداف “إنماء العلاقات الودية والتعاون بين الدول”، و”إنهاء الاستعمار على وجه السرعة”.

قد يبدو للوهلة الأولى أنَّ نطاق حق تقرير المصير واسعٌ في القرار، لكنَّ فقرةً تالية على الأجزاء السابق ذكرها من الإعلان تُضيف قيودًا ملحوظة. يقول نص الفقرة:

“لا يجوز أن يؤول شيء مما ورد في الفقرات السابقة على أنه يرخص بأي عمل أو يشجع على أي عمل من شأنه أن يمزق أو يخل جزئيًا أو كليًا بالسلامة الإقليمية أو الوحدة السياسية للدول المستقلة ذات السيادة التي تلتزم في تصرفاتها مبدأ تساوي الشعوب في حقوقها وحقها في تقرير مصيرها بنفسها الموضح أعلاه والتي لها بالتالي حكومة تمثل شعب الإقليم كله دون تمييز بسبب العنصر أو العقيدة أو اللون”[6].

هذه الفقرة من الإعلان بدأت نقاشاتٍ جادة حول إطار مفهوم حق تقرير المصير. وجادل البعض بأنَّ القرار رقم 2625 لعام 1970 لم يكن استثناءً لفحوى القرار رقم 1514 لعام 1960 الذي تمحور حول الدول الاستعمارية، بينما رأى آخرون أنَّ تعبير “حكومة تمثل شعب الإقليم كله دون تمييز” قد أضاف بعدًا جديدًا إلى المفهوم، وأنَّ إعلان الاستقلال عن الدول التي تُديرها حكوماتٌ لا تمثل كافة قطاعات الشعب داخل دولةٍ قائمة دون تمييز هو إعلانٌ قانوني وشرعي[7]. غير أنَّ قرارات محكمة العدل الدولية التي تلت إصدار الإعلان، في قضايا كثيرة من مولدوفا إلى أوكرانيا، والفهم العام لحق تقرير المصير من جانب المجتمع الدولي – تُثبت أنَّ هذا التفسير لم ينتقل إلى خانة الفعل، وأنَّ النهج العام لم يتغير كثيرًا عما قبل إصدار هذين الإعلانين (كما نرى في قضية استقلال جزر أولاند عن فنلندا عام 1920).

وفي مرة واحدة فقط – كمثالٍ حديث – تبنت محكمة العدل الدولية موقفًا مغايرًا: في قضية كوسوفو، حين أعلنت استقلالها من طرفٍ واحد، لكنَّ رأي المحكمة كان مجرد رأي استشاري؛ ولذا لا يشكل أي قاعدةٍ مُلزمة. أيضًا، وُجهِّت انتقاداتٌ حادة لرأي المحكمة الاستشاري تقول إنَّ استدلال المحكمة القانوني لم يكُن ملائمًا. وفي رأيها الاستشاري، قارنت المحكمة قرار كوسوفو بسوابق استقلالية من طرفٍ واحد حدثت في القرون الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، وذُكِر فيه نجاح بعض تلك المحاولات. ومن ثمَّ – وفقًا لرأي المحكمة – يستحيل نزع الشرعية نزعًا باتًا عن كل محاولات الاستقلال من طرفٍ واحد. وفي قضايا كثيرة أخرى مثل قبرص الشمالية أو روديسيا الجنوبية، لم تعتبر محكمة العدل الدولية محاولات الاستقلال من طرفٍ واحد قانونيةً، لأسبابٍ أخرى مثل استخدام العنف أو ارتكاب انتهاكاتٍ “جسيمة” للقانون الدولي. ومن ناحيةٍ أخرى، لم يتعرض الرأي الاستشاري في حجته لحق تقرير المصير تعرضًا تفصيليًا على الإطلاق. فرأي المحكمة في قضية كوسوفو بالنسبة إلى كثيرٍ من خبراء القانون لم يُكن فقط استثناءً صارخًا من موقف المحكمة العام، بل كان منتجًا قانونيًا سيئًا بسبب عوار الاستدلال القانوني[8].

وختامًا، لا يمنح حق تقرير المصير الحقَّ المطلق في الاستقلال لأي أمة أو شعب، وفقًا للفهم العام المُعاصر للقانون الدولي ونظام الدولة الحالي الذي تمتد جذوره إلى صلح وستفاليا. لكنَّ هذا الاستقلال ليس دائمًا استقلالًا غير قانوني بالضرورة[9]؛ إذ يُمكن التوصل إلى تسوياتٍ داخل إطار القانون الدستوري. لكن من الواضح أنَّ حالتي كتالونيا وإقليم كردستان ليستا من بين هذه الاستثناءات.

هل يُمكن تجاهل حق تقرير المصير؟

كما شرحنا في القسم السابق، لا توجد قاعدة عامة ملزمة فيما يخص حق تقرير المصير في إطار القانون الدولي. ومع ذلك، لا يعني غياب هذه القاعدة أنَّ بإمكاننا تجاهل وجود حق تقرير المصير أو ضرورته. بعبارةٍ أخرى، إن اعتبرنا حق تقرير المصير مجرد مفهوم ينتمي إلى عصر الاستعمار، فلن يتسق هذا مع الواقع السياسي المُعاصر. وبالمثل ينبغي ألا ننظر إلى حق تقرير المصير باعتباره أداةً للحركات الانفصالية فقط، بل على العكس، هو أداة يُمكن أن تُسهم في تعزيز وحدة الدول القائمة حال استخدامه في دعم الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية للأقليات والجماعات العرقية والدينية وغيرها داخل هذه الدول. ويعني هذا أنَّ حق تقرير المصير يمكن اعتباره دافعًا من دوافع تقوية مفهوم المواطنة الدستورية، بدلًا من الاعتماد على سياسات الهوية. ولا شك أنَّ تحسين مفهوم المواطنة ضروريٌ لاستقرار دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

في الواقع، تُفسر بعض المُقاربات الحديثة حق تقرير المصير وتنادي به في إطار “منح الإدارة الذاتية” للشعوب القادرة على الوصول إلى مستوىً معين من القوة والوحدة داخل الدول التي هي جزءٌ منها، وترفع مطالب مميزة خارج إطار الاستقلال. وبينما تشجع مثل هذه المُقاربات المفاهيم “الفيدرالية”[10]، فإنَّها من جهة أخرى تهدف إلى الحؤول دون تفكك الدول استنادًا إلى حق تقرير المصير.

في الواقع، ووفقًا للمُقاربات الحديثة السابق ذكرها، فإنَّ هناك تفرقة بين حق تقرير المصير “الداخلي والخارجي”[11]. مثل هذه التفرقة تسعى إلى تطبيق نوعٍ من تحويل الأنظمة إلى الإدارة الذاتية في سياق القانون الدستوري دون المساس بالسلامة الإقليمية للدول القائمة، وفي الوقت نفسه تعترف بحقوق الدول المُستعمَرة  في إعلان استقلالها في إطارٍ استعماري. ومن ثمَّ يكتسب حق تقرير المصير شكلًا “متجهًا إلى الداخل”. ومن أفضل الأمثلة على هذا النهج هو إشارة المحكمة العُليا في كندا إلى انفصال إقليم كيبيك[12]، حيث تعترف المحكمة باحتمالية استخدام حق تقرير المصير داخل إطار دولة قائمة، بينما تُركز على حماية السلامة الإقليمية لكندا.

وهناك بالطبع بعض الأمثلة الحديثة لاستخدام حق تقرير المصير في الحصول على الاستقلال من دولةٍ قائمة، مثل حالتي تشيكوسلوفاكيا والسودان. لكنَّ القاسم المشترك بين هذه الحالات هو مُوافقة الدولة القائمة أو التوصل إلى تسويةٍ بين الجانبين. وبالنظر إلى حالة كتالونيا على سبيل المثال، نرى أنَّه لا موافقة الحكومة الإسبانية على الانفصال الكتالوني موجودة، ولا الميل إلى التسوية كذلك. وتُشدد المادة الثانية من دستور 1978 الإسباني بوضوح على “وحدة الأمة الإسبانية التي لا تنفصل”، و”وطن كل الإسبان الذي لا يقبل التجزئة[13]”.

وهناك أيضًا تفسير آخر لحق تقرير المصير خارج السياق الاستعماري، وهو فرضية “الانفصال الإصلاحي”[14]. ومع أنَّ الفرضية لا تحظى بإجماعٍ عام، فإنَّ هناك بعض الآراء الداعمة لها. فوفقًا للفرضية، يُمكن أن تلجأ الشعوب التي تواجه التمييز والاضطهاد المنهجيين وتُواجه تضييقًا شديدًا على المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية إلى الانفصال، شريطة ألا يكون هناك ملاذٌ آخر[15]. ويُمكن أيضًا مناصرة شرعية الانفصال عن الأنظمة العنصرية مثل نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا استنادًا إلى هذه الفرضية. وبالمثل، يُمكن تبرير إعلان الانفصال من طرف كوسوفو. ونظرًا إلى أنَّ كتالونيا تمتعت بقدرٍ كبير من الإدارة الذاتية التي وافقت عليها الحكومة الإسبانية، ولم يواجه الكاتالونيون أي انتهاكاتٍ ممنهجة لحقوق الإنسان أو اضطهادٍ في العقود الأخيرة؛ فإنَّ فرضية “الانفصال الإصلاحي” يصعب استخدامها في هذه الحالة.

غير أنَّ الأمر ذاته يصعب قوله عن أغلب قضايا منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مثل إقليم كردستان. ونظرًا إلى أنَّ الشعبَ الكردي (وشعوبًا أخرى) عانى الكثير ولاقى اضطهادًا شديدًا من الحكومة المركزية العراقية في الماضي، وما زال يُعاني غياب الحُكم الفعال والاستقرار في العراق؛ فإنَّ البعض يجادل بأنَّ الأكراد لهم الحق في اللجوء إلى “الانفصال الإصلاحي” تحت هذه الظروف. ومن جانبٍ آخر، بغض النظر عما حدث في الماضي، فإنَّ هناك أيضًا حقيقة أنَّ حكومة إقليم كردستان قد احتفظت بإدارةٍ ذاتية واسعة منذ غزو العراق في عام 2003، ما يعني قدرة الشعب الكُردي ولو جزئيًا على تعزيز وجوده ومشاركته داخل النظام.

وختامًا، إنَّ مسألة “الدولة الفاشلة” هي مفهومٌ آخر يرتبط ارتباطًا مُباشرًا بمفهوم حق تقرير المصير؛ لأنَّ وجود الدول الفاشلة في المنطقة – مثل العراق – يمهّد الطريق لمطالب شعبية باستخدام الحق في تقرير المصير، والتخلص من المجال السياسي المنهار/الفاسد في الدولة القائمة. ونحن في حاجة إلى تعريف “الدول الفاشلة” عند هذه النقطة. ويُمكن تعريف الدول الفاشلة اختصارًا بأنَّها الدول العاجزة عن تلبية ثلاث وظائف رئيسة: توفير الأمن، والرفاه، والشرعية/حُكم القانون. وبعبارةٍ أخرى، إنَّ الدول الفاشلة لا تقدر على أداء أيٍ من هذه الوظائف بفاعلية[16].

خاتمة

لا شك أنَّ حق تقرير المصير موجودٌ في إطار القانون الدولي، لكن يُمكن أيضًا الدفع بأنَّ استخدام حق تقرير المصير كان في سياقٍ استعماري قبل نصف قرنٍ تقريبًا، من أجل تسهيل الاستقلال القانوني للدول المُستعمَرة، والآن يُثار كثيرٌ من النقاش حول كيفية استخدام حق تقرير المصير في حاضرنا. ويبدو أنَّ أي استخدامٍ لحق تقرير المصير في تمهيد الطريق لمحاولات الاستقلال والانفصال من طرفٍ واحد بما يضر السلامة الإقليمية للدول القائمة لن يحظى بموافقة المجتمع الدولي. وما زال أنصار مثل هذه التفسيرات يشكلون أقليةً من أتباع هذه المدرسة.

وعلاوةً على ذلك، عند تقييم حق تقرير المصير ليس فقط من منظور القانون الدولي بل أيضًا من منظور الواقعية السياسية، فإنَّ تجاوُز الإطار الدستوري المُلزم “للشعوب” المختلفة – أي الجماعات العرقية والدينية وغيرها داخل الدول القائمة – وتمهيد الطريق أمام مُحاولات الانفصال التعسفية يُمثل مجددًا خطرًا داهمًا على حفظ السلام على المستويين المحلي والعالمي. ومثل هذا التبرير للحركات الانفصالية سيضر أيضًا جهود التوصل إلى تسوياتٍ بين الجماعات المختلفة داخل الدول القائمة، ويؤدي إلى انتشار النزعة الانفصالية في أنحاء العالم.

غير أنَّ تجاهل المظالم الجادة للشعوب المختلفة داخل الدول القائمة وتعريف استخدام حق تقرير المصير في السياق الاستعماري فقط لن يكون أمرًا صائبًا أو متسقًا مع الواقع السياسي. ومن ثمَّ فإنَّ التركيز المُفرط على تقسيم تقرير المصير إلى شقٍ داخلي وشقٍ خارجي والنظر في كيفية استخدام حق تقرير المصير على أساس الشق الداخلي هو الخيار الأفضل فيما يبدو.

الهوامش
[1] Aritz Parra, Ciaran Giles, “Catalan independence: Spanish prime minister Rajoy vows to restore ‘rule of law’ after Catalonia’s parliament votes for secession”, http://www.independent.co.uk/news/world/europe/catalan-independence-spanish-prime-minister-mariano-rajoy-parliament-vote-region-spain-a8023306.html ,27 October 2017 (Online: 30 October 2017)
[2] Draft articles on Responsibility of States for Internationally Wrongful Acts, with commentaries, http://legal.un.org/ilc/texts/instruments/english/commentaries/9_6_2001.pdf,p.85
[3] UN Charter, https://www.ombudsman.gov.tr/contents/files/6535501-Birlesmis-Milletler-Antlasmasi.pdf
[4] Fatma Tasdemir, Yeni Dünya Düzeninde Self-determinasyon, (Unpublished Master Thesis), Gazi University Social Sciences Institute, Ankara, 1999, p.4
[5] For more details see: http://www.un-documents.net/a25r2625.htm
[6] UN Resolution 2625 (1970), 69. paragraph
[7] Deniz Akcay, “Selfderetminasyon: Bir İlkenin Önlenemez Nötralizasyonu”, Murat Sarıca Armağanı, Istanbul, 1988, p.30.
[8] Milana Sterio, “Do Kurds Have the Right to Self-Determination and/or Secession?”, http://opiniojuris.org/2017/09/28/kurds-right-self-determination-andor-secession/, 28 September 2017 (Online: 30 October 2017)
[9] Chris Borgen, “Can Crimea Secede by Referendum?”, http://opiniojuris.org/2014/03/06/can-crimea-secede-referendum/, 6 March 2014 (Online: 30 October 2017)
[10] A.e Borgen
[11] A.e Sterio
[12] For the reference of the Supreme Court of Canada, 25506, 20 August 1998, https://scc-csc.lexum.com/scc-csc/scc-csc/en/item/1643/index.do
[13]The Spanish Constitution of 1978, http://www.congreso.es/portal/page/portal/Congreso/Congreso/Hist_Normas/Norm/const_espa_texto_ingles_0.pdf
[14] Ieva Vezbergaite, “Remedial Seccession As an Exercise of the Right to Self-Determination of People”, Budapest, 2011, www.etd.ceu.hu/2012/vezbergaite_ieva.pdf
[15] Ibrahim Kaya, Uluslararası Hukuk Temel Ders Kitabı, 6. Print, October 2015, Ankara, p.213
[16] Ulrich Schneckener, Fragile Statehood, Armed Non-State Actors and Security Governance, p.34

Related

Simple Share Buttons