لا سلام يلوح في الأفق في سوريا

ستشكل ثلاثة أحداث هامة وقعت مؤخراً مسار الأزمة السورية: سقوط حلب، واغتيال السفير الروسي في تركيا، واللقاء الثلاثي بين روسيا وتركيا وإيران الذي عقد في موسكو في 20 ديسمبر/كانون الأول الماضي. وقد سبق هذا النشاط الدبلوماسي الثلاثي الجديد تحول في ميزان القوى العسكرية على الأرض نتيجة لسقوط حلب.

في هذه المرحلة، يبدو أن توطيد المكاسب العسكرية، والشرعية المتزايدة لنظام بشار الأسد، وحماية كل من أنظمة روسيا وإيران وسوريا لمصالحهم المشتركة تشكل الأهداف المباشرة لهذه المحادثات من وجهات النظر الإيرانية والروسية والسورية.

ويبدو أنهم يستعدون لتتويج المكاسب العسكرية النسبية بامتيازات سياسية، وأهمها سيكون إزالة الحديث عن تغيير النظام في سوريا من على الطاولة، وبالتالي زيادة القبول الدولي والشرعية الدولية للأسد.

مع سيطرة نظام الأسد على معظم المراكز الحضرية الكبرى في سوريا، فقدت المحادثات متعددة الأطراف التي أُجريت سابقاً – سواء أكانت في جنيف أو في فيينا – معناها. لم يعد النظام وداعميه -على الأقل في المستقبل المنظور – مستعدين للانخراط في محادثات تطرح خيار انتقال للسلطة من شأنه أن يؤدي إلى خروج الأسد من المشهد في النهاية في إطار زمني متفق عليه.

قضايا رئيسية غائبة
ثلاثة من البلدان الأربعة الأكثر أهمية في التأثير على الأحداث في سوريا كانت موجودة في موسكو. وعلى الرغم من الغياب الصارخ للولايات المتحدة، خططت روسيا وتركيا وإيران للهدف الطموح المتمثل في إيجاد حل للأزمة السورية، مع التعهد بالوقوف بمثابة ضامن لأي اتفاقٍ لوقف إطلاق النار يتم بين النظام والمعارضة.

بمنتهى الوضوح، كان البيان النهائي في أعقاب محادثات موسكو بمثابة انتكاسة لكلٍ من سياسة تركيا في سوريا ومطالب المعارضة. فعلى الرغم من الإشارة إلى قرار مجلس الأمن بالأمم المتحدة باعتباره أساس أي حل للأزمة، قلل البيان من الأزمة السورية إلى حد كبير وحصرها في الإرهاب والمأساة الإنسانية فقط.

لم تُذكر في أي مكان – في نتائج المحادثات – تصرفات النظام أو شرعيته باعتبارهما مشكلة، بينما شكلت الحرب على الإرهاب – مع إشارة صريحة إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) وجبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقاً) – حجر الزاوية في هذه الاتفاقية.

ولا توجد أي إشارة مماثلة إلى دور الميليشيات الشيعية وحزب الله، وكلاهما لديه سجل حافل بتنفيذ عمليات القتل والقيام بمجازر وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب.

من غير المرجح أن تكون نتائج هذه المبادرة الجديدة وردية مثلما يصورها مؤيدوها. تخفيف المأساة الإنسانية وإيجاد حل للأزمة السورية قضيتان منفصلتان.

في حين أن هذا الاجتماع قد يكون مفيداً في تخفيف الأزمة الإنسانية في سوريا، بالنظر إلى العلاقات الوثيقة التي تتمتع بها الدول المجتمعة مع الأطراف المتحاربة في سوريا، فمن غير المرجح أن يكون قادراً على تقديم حل للأزمة السورية.

يمثل غياب الولايات المتحدة أحد أوجه القصور الرئيسية للاتفاق. لا شك أن سقوط حلب – مع ما صاحب ذلك من مأساة إنسانية – يعتبر وسيظل وصمة عار كبيرة في سجل إدارة أوباما.

فقد أرسلت سياستها إشارة قوية إلى الطغاة الباطشين في جميع أنحاء العالم بأن استخدام القوة الغاشمة ينجح. بحسب كلام ليون ويسلتير من مؤسسة بروكينغز، مَهدّ باراك أوباما باتباعه “مبدأ الأفعال غير المؤثرة” لتعميق للأزمة السورية، وسقوط حلب وكل والمآسي الإنسانية والاستراتيجية والجيوسياسية التي عانى العالم منها نتيجة لذلك.

وعلى الرغم من هذا، فإن البحث عن حل لمشكلة سوريا سيظل متعذراً بدون إشراك الولايات المتحدة، إلا إن كان الأميركيون راضون عن تشكيل القوى الأخرى لخارطة الطريق للأزمة السورية دون تدخلها.

نقاط الاحتكاك
من المرجح أن ينظر الكثير من المعارضين إلى هذه الاتفاقية على أنها أمر مفروض عليهم في وقت ضعفهم، ويجب تفكيكه في أول فرصة سانحة. وبالمثل، وكما يوحي سجله السابق، من غير المرجح أن يلتزم النظام بأي اتفاق إن شعر بإمكانية تحقيق المزيد من المكاسب من خلال السلاح.

في الواقع، من المحتمل جداً أن تدفع إيران في اتجاه حدوث عملية تقنين مماثلة لوضع الميليشيات التابعة لها والقوات شبه العسكرية في سوريا. وترى تركيا في ذلك خطراً داهماً، وتهديداً لمصالحها في هذه البلدان.

لم يكن تأكيد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو على ضرورة إنهاء أي دعم لحزب الله في سوريا أثناء حديثه للصحفيين في موسكو من قبيل المصادفة، لكنه كان يوضح استياء تركيا العميق من النفوذ المتزايد للمليشيات الشيعية في كلٍ من سوريا والعراق. يشير هذا في المقابل إلى أحد مصادر الخلاف الرئيسية بين إيران وتركيا: نقطة احتكاك ستلقي بظلالها الثقيلة على أي محادثات مستقبلية.

وعلى الرغم من سقوط حلب والمساعي الدبلوماسية الروسية – التركية – الإيرانية، إلا أن نهاية الحرب السورية ليست وشيكة.

أثبتت روسيا وإيران كفاءتهما في تحويل الدفة لصالح النظام في الحرب، لكن من غير المرجح أن يحققا نجاحات مماثلة في نشر السلام في سوريا.

Related

Simple Share Buttons