أزمة اللاجئين السوريين في تركيا – ومراحل الاندماج الاقتصادي داخل المجتمع التركي

نبذة:
بلغ عدد المشردين من منازلهم في بداية عام 2016 ما يقرب من 65 مليون شخص حول العالم; ليُسجل هذا العدد أعلى معدل نزوح على الإطلاق. علاوة على أن تركيا تضم أكبر عدد من اللاجئين في العالم. ويصل عدد اللاجئين السوريين المُقيدين في تركيا (ويشار إليهم رسمياً بالسوريين المشمولين تحت لائحة الحماية التركية المؤقتة رقم 6883/2014) في بداية أغسطس/آب 2016 إلى نحو 2.724.937 لاجئ. واندمج السوريين في الاقتصاد التركي من خلال تفاعل السوريين مع الأتراك بدون وضع سياسات منظمة. ولا يزال هناك إهمال في دمج رجال الأعمال والعمال السوريين داخل إطار العمل المستدام على الرغم من اقترابنا من الذكرى الخامسة لتدفق اللاجئين. لكن بدأت سياسة الحكومة التركية تجاه اللاجئين السوريين تتطور تدريجياً لترحب باندماج اللاجئين السوريين داخل المجتمع التركي.
وسنسلط الضوء في هذا المقال على الأوضاع الراهنة في مجال التكامل الاقتصادي مع ذكر مجالات التعاون المحتملة بين الشركاء المحليين والدوليين.
أشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خطابه الموجه إلى الرؤساء التنفيذيين بشركات الاستثمار الأجنبية بعد مرور أسبوعين على محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في  15 يوليو/تموز، إلى بعض السياسات المنصفة للاجئين السوريين المقيمين في تركيا، قائلاً “سنمنح الجنسية التركية للاجئين السوريين إذا لزم الأمر، وسنوفر لهم حياة كريمة بدلاً من إيوائهم في الخيام، وسيَتخذ وزراؤنا الإجراءات اللازمة لذلك. وسنشمل اللاجئين تحت رعايتنا، لأن من بينهم محاميين وأطباء ومهندسين يستحقون الانخراط داخل مجتمعنا حتى يتمكنوا من إعانة أنفسهم”.

من بين كل الخطاب برزت هذه التصريحات للمحللين المتابعين للشأن التركي، بعدما أثار الرئيس أردوغان قضية منح الجنسية التركية للاجئين السوريين في وقتٍ سابق من هذا الشهر، ولاقت هذه التصريحات عدم الارتياح من كافة الأطياف السياسية التركية. وفي الواقع عارض نحو 82.9 % من الأتراك منح الجنسية للاجئين السوريين وفق استطلاع الرأي الذي أُجري في مارس/آذار 2016. وقد أتاحت الأوضاع السياسية عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو/تموز الفرصة لإسقاط مقترح منح الجنسية للسوريين، إلا الرئيس أردوغان أعاد فتح هذا الملف، وأمر بمتابعته.

وبدأ الرئيس أردوغان مناقشة مسألة منح الجنسية للاجئين السوريين في بداية يوليو/تموز أثناء حضوره مأدبة الإفطار الرمضاني التي أقامتها جمعية الهلال الأحمر التركي في مدينة كِلّس التي يقيم بها أكبر عدد من السوريين. ووجه أردوغان حديثه إلى اللاجئين السوريين قائلاً “أعلم مدى رغبة أخواتنا وإخواننا السوريين في الحصول على الجنسية التركية، لذا أصدرت أوامري إلى وزارة الداخلية باتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك.” وأثارت تصريحات أردوغان جدلاً كبيراً في الأوساط التركية التي سبق وأن اتخذت موقفاً محايداً تجاه اللاجئين السوريين منذ نزوح أول مجموعة من اللاجئين في أوائل عام 2011. وعلى صعيد متصل، اقترح أحد السياسيين التركيين منح الجنسية التركية لأي سوري لا يحمل صفة لاجئ.

وتستند مسوغات السياسة الجديدة في المقام الأول على التنمية الاقتصادية التي ستجنيها تركيا جراء منح الجنسية للسوريين. وأعرب الرئيس أردوغان في خطابه الذي ألقاه بعد صلاة العيد عن موقفه الثابت تجاه منح الجنسية للاجئين السوريين. إذ أكد على مدى الاستفادة التي ستجنيها تركيا إذا استغلت مهارات ومؤهلات اللاجئين السوريين. ويُشير خطاب أردوغان إلى تحول كبير في سياسة تركيا من “استضافتها للاجئين السوريين” إلى “مساعدتها للاجئين السوريين في كسب قوتهم” في تركيا. في حين أن السياسة السابقة وصفت نزوح اللاجئين السوريين “بالمشكلة المؤقتة” وهدفت إلى “استضافتهم” لحين انتهاء الحرب.

ويبلغ عدد السوريين المُقيدين في تركيا ما يقرب من 2.7 مليون لاجئ، ويشكلون بذلك نسبة 3.5% من إجمالي عدد سكان تركيا. ويعيش 9% من اللاجئين السوريين في مخيمات اللاجئين، بينما قرر باقي اللاجئين العيش في مناطق حضرية. ويُشير انتشار السوريين في المناطق الحضرية إلى اندماجهم داخل المجتمع والاقتصاد التركي من خلال تعاملهم مع المجتمعات المُضيفة. كما أثبت هذا التفاعل مدى أهمية بناء أواصر تعاون قوية بين المجتمع التركي والسوري، بالإضافة إلى تمكين السوريين من المساهمة في تعزيز الاقتصاد التركي من خلال زيادة الطلب على المنتجات. وتُشير الإحصاءات الأخيرة إلى نمو الاقتصاد التركي بنسبة 4.8% في الربع الأول من عام 2016، ويُشير هذا المعدل بشكل كبير إلى ارتفاع الاستهلاك نتيجة زيادة الأجور واللاجئين السوريين.

ومع ذلك، لن يستمر تأثير تعزيز اللاجئين السوريين للاقتصاد التركي إلا على المدى القصير. لهذا، يجب أن تُوضع خطط متوسطة وطويلة الأجل للمحافظة على دور اللاجئين السوريين الفعَّال في تعزيز الاقتصاد التركي. بالإضافة إلى إضفاء الطابع الرسمي لشروط عملهم من خلال وضع سياسات شاملة تضمن لهم الانضمام بسهولة إلى سوق العمل في إطار شراكات القطاعين العام والخاص.

ما هو الوضع الراهن للسوريين في تركيا؟

صادقت تركيا على اتفاقية جينيف للاجئين عام 1951 بشروط جغرافية تمنح بمقتضاها “صفة لاجئ” للنازحين “من الدول الأوروبية فقط”. ومع ذلك تبنت تركيا في أعقاب التدفق الجماعي للسوريين “سياسة الباب المفتوح” وقدمت حق اللجوء الفوري إلى ملايين السوريين. ثم أُعد الإطار القانوني الذي وصف السوريين بأنهم أجانب تحت الحماية المؤقتة ومنحهم بعض الحقوق، وصادقت تركيا على ذلك في أكتوبر/تشرين أول 2014. ويحق للاجئين السوريين بموجب هذه اللائحة بالاستفادة من الخدمات العامة التي تُقدمها تركيا مثل التعليم والصحة. ومع ذلك ظل اندماج السوريون في سوق العمل موضوعاَ مثيراً للجدل إلى حدٍ كبير ولم يُتوصل فيه إلى حل خلال السنوات الخمس الأولى من الأزمة.

تُشير الدراسات الاستقصائية التي أُجريت على المهاجرين السوريين إلى أن 30% من السوريين حاصلين على شهادات جامعية، وتفوق هذه النسبة متوسط عدد الخريجين في ألمانيا غير القادرين على إيجاد وظائف مناسبة لمهاراتهم ومؤهلاتهم. وبلغ عدد اللاجئين الوافدين من تركيا إلى جزر اليونان إلى 10 آلاف لاجئ سوري، وهذا يعني أن آلاف من خريجي الجامعات شغلوا كافة الوظائف المتاحة في تركيا. لذلك أصدرت الحكومة التركية قراراً في يناير/كانون الثاني عام 2016 بتسهيل إلحاق السوريين بسوق العمل المحلي بهدف الحد من هجرة العقول السورية، ولم يعلن القرار بعد عن جنسية المستفيدين، إلا أنه يخص في الأساس اللاجئين السوريين ممن هم تحت الحماية المؤقتة.

هذا وقد حقق القرار نتائج محدودة إلى حدٍ ما خلال الستة أشهر التي تلت التصديق على هذا القرار، بالرغم من أن طبيعة القرار تتسم بالتقدم. فقد مُنح 7.700 لاجئ سوري تصاريح عمل بين عامي 2011 و2015. وقد أُصدرت تصاريح عمل إضافية إلى 5.500 سوري خلال الستة أشهر التي تلت إصدار قرار يناير/كانون الثاني. وبالرغم من أن قرار يناير/كانون الثاني قد حارب البيروقراطية بشكل واضح بهدف تسهيل منح تصاريح العمل، إلا أن عدد السوريين الحاصلين على تصاريح لا يزال أقل من المُتوقع. وتُشير تقديراتنا إلى أن عدد السوريين المؤهلين لسوق العمل سيبلغ 750 ألف سوري إذا تمكن السوريون من المشاركة في سوق العمل بنفس معدلات فترة ما قبل الحرب في سوريا.  (انظر إلى الشكل 1)

شكل 1 يوضح الهرم السكاني للسوريين في تركيا اعتبارا من أغسطس/آب 2016

المصدر: وزارة الداخلية، المديرية العامة للهجرة

ملاحظة: الألوان الداكنة تشير إلى الفئة العمرية العاملة (من 15: 64 عام)، بلغ عدد العاملين من الجنسين: 890 ألفاً من الذكور و747 ألفاً من الإناث. وقُدرت معدلات المشاركة في سوق العمل قبل الحرب في سوريا إلى نحو73% للذكور و14٪ للإناث، وتتراوح أعمارهم بين 15 عام و64 عام (مؤشرات التنمية العالمية الخاصة بالبنك الدولي). إذا تحققت معدلات المشاركة في سوق العمل بنسبة متساوية مع فترة ما قبل الحرب في سوريا على فرضية التوظيف الكامل في تركيا، سيعمل 763 ألف سوري في البلاد.

يرجع انخفاض عدد السوريين الحاصلين على تصاريح عمل إلى عدة عوامل، إذ تحتاج بعض المسائل الفنية في قانون العمل الأصلي إلى مزيد من الاهتمام. وأهم العناصر التي يجب أن يتناولها قانون تصريح العمل هي حصة التوظيف والحدود الجغرافية. ويسمح القانون حالياً للشركات بتوظيف نسبة 10% من السوريين كحد أقصى من النسبة الإجمالية للعمالة الموجودة لديها. كما لن يتمكن السوريين من العمل إلا في المحافظات المُقيدين بها. وتُحدد الصيغة الحالية للقانون النسبة المقررة للعمالة السورية في أحد المحافظات، إذ يجب ألا تزيد عن 10% من النسبة الإجمالية للعمالة في القطاع الخاص. وعلى الرغم من أن هذه الصيغة قابلة للتطبيق، لكن يُشكل التوزيع الجغرافي للسوريين في تركيا مشكلة كبيرة، إذ تبلغ نسبة السوريين 3.5% من إجمالي عدد سكان تركيا. (انظر الشكل 2)

الشكل 2 معدل البطالة في عام (2015) ونسبة السوريين من إجمالي عدد سكان تركيا في عام (2016)

المصدر: وزارة الداخلية، المديرية العامة للهجرة

أدت الكثافة المرتفعة للسوريين في المحافظات التركية الواقعة في الجنوب والشرق إلى ارتفاع معدل البطالة. كما تسبب الإطار التشريعي الحالي في تفاقم مشاكل سوق العمل في المنطقة من خلال دفع القوة العاملة المحلية والسورية إلى التنافس على الوظائف غير الرسمية وذات الأجر المتدني، وخاصة في قطاع البناء والمنسوجات والصناعات التحويلية.

وعلى سبيل المثال يعمل في القطاع الخاص بمدينة كِلّس 16000 شخص (في مجال الزراعة والصناعة والخدمات) وإذا وظفت الشركات نسبة 10% من السوريين، سيُعين 1600 سوري فقط من إجمالي 13 ألف سوري مُقيد في المدينة. وأول خطوة هي التقدم للحصول على تصريح عمل في تركيا وتوقيع العقد مع صاحب العمل.

تُحدد التشريعات الحديثة الحد الأدنى للأجور والتأمين الصحي للعمالة السورية، وعادة ما يضطر أرباب العمل إلى توظيف عمالة محلية لتمتعهم بالمهارة وإجادة اللغة، أو إلى توظيف السوريين بشكل مخالف للقانون. وكشفت دراسة أجرتها هيئة الكوارث الطبيعية والطوارئ التركية (AFAD) في عام 2013 عن متوسط الدخل الشهري الذي يتقاضاه العامل السوري في تركيا، إذ يبلغ 236 دولارا أميركياً، وهو ما يساوي نصف متوسط الدخل الذي يتقاضاه العامل التركي في نفس العام. وقد أدت المناسفة بين السوريين والقوة العاملة المحلية إلى نزوح العمال الأتراك ذوي المهارة المنخفضة أو غير المهرة خاصة من الأماكن التي يتواجد فيها السوريين بكثرة مثل المناطق الجنوبية والشرقية. (انظر إلى الجدول 1)

كما تظهر المنافسة أيضاً بين الرجال والنساء في التقدم للحصول على تصاريح عمل، إذ حصل 4019 ألف سوري على تصاريح عمل، من بينهم 3739 ألف تصريح عمل للرجال.

جدول 1: مؤشرات القوة العاملة بمناطق (كِلّس وغازي عِنتاب وأديامان) مقارنة مع كافة أرجاء تركيا في عام 2014- 2015

المصدر: معهد الإحصاء التُركي

دور رواد الأعمال السوريين في تركيا:

ذكرنا سابقاً مدى أهمية زيادة استهلاك اللاجئين السوريين في تعزيز الاقتصاد التركي، ولا يجب ألا نغفل مدى أهمية إسهام رواد الأعمال السوريين في نمو الاقتصاد التركي. فقد مثلت الشركات السورية الحديثة التي أُسست بتركيا في عام 2011 نسبة 0.2% من إجمالي  54 ألف شركة تركية حديثة. ثم زاد تواجد الشركات السورية في تركيا في عام 2013 لتُشكل نسبة 1% من النسبة الإجمالية للشركات التركية الحديثة. وواصل عدد الشركات في الازدياد، إذ بلغ عدد الشركات السورية في عام 2015 إلى 1600 شركة جديدة، محققة بذلك نسبة 4,2% من إجمالي عدد الشركات التركية الجديدة. وتمركز رجال الأعمال السوريين في جنوب شرق تركيا وفي المدن الكبرى على وجه الخصوص. (انظر الشكل 3)

وقع الاختيار على العاصمة التركية إسطنبول باعتبارها أكبر مركز اقتصادي في البلاد، حتى تُؤسس فيها نصف الشركات السورية لتبلغ 1838 شركة جديدة مسجلة في العاصمة السورية بالمدن الكُبرى. وبالرغم من هذا العدد الكبير إلا ان ذلك لم يُقلل من نصيب الشركات السورية التي أُنشئت حديثاً في إسطنبول، إذ تُمثل نسبة 2.3% من جميع الشركات التي أُنشئت حديثاً. ومع أن عدد الشركات السورية المُقامة في جنوب شرق تركيا أقل من عدد الشركات الموجودة في إسطنبول إلا أنها ذات أهمية كبيرة، فعلى سبيل المثال بلغت نسبة الشركات السورية الجديدة في عام 2015 إلى 1.13% بمدينة غازي عنتاب “محور الصناعة والخدمات في تركيا”. وارتفعت النسبة لتصل إلى 15% في مدينة مرسين الساحلية، كما حظيت مدينة كِلّس بنصيب الأسد لتصل نسبة الشركات السورية الجديدة بها إلى 35%.

شكل 3 يوضح عدد الشركات السورية الجديدة التي أُنشئت في تركيا بين عام 2011 و2015

المصدر: قاعدة بيانات اتحاد الغرف والبورصات التركية ” “TOBB

لم يُثمر انتقال رجال الأعمال السوريين إلى تركيا عن تحويل رؤوس الأموال السورية إلى تركيا فحسب، بل انتقلت معه شبكة من العلاقات التجارية. وتظهر إيجابيات هذا الانتقال من خلال صادرات تركيا الثابتة إلى سوريا، إذ بلغت قيمة الصادرات التركية إلى سوريا أوجها في عام 2010 لتصل إلى 8.1 مليار دولار أميركي. وتراجعت بعد ذلك لتصل إلى 6.1 مليار دولار أميركي في عام 2011. ومع شدة الصراع على الأرض السورية تقلصت قيمة الصادرات التركية إلى سوريا لتصل إلى 500 مليون دولار أميركي في عام 2012. لكن في عام 2014 عادت الصادرات التركية إلى مستوياتها المرتفعة قبل عام 2011، إذ تُشير التقارير أن السبب في ذلك يرجع إلى تزايد عدد الشركات السورية في تركيا التي لعبت دوراً مهماً في تنشيط الاقتصاد التركي.  (انظر الشكل 4)

وعلى الصعيد الإقليمي تضاعفت قيمة صادرات مدينة غازي عِنتاب إلى أربعة أضعاف لترتفع من 96 مليون دولار أميركي في عام 2011 إلى 405 مليون دولار أميركي في عام 2015. كما تضاعفت صادرات مدينة هاتاي التركية من 100 مليون دولار أميركي إلى 226 مليون دولار أميركي. وبهذا تتصدر هاتين المدينتين قائمة التصدير المحلي إلى سوريا.

شكل 4 يُوضح الصادرات التركية إلى سوريا وعدد الشركات السورية في تركيا منذ عام 2008 إلى عام 2016

qqq555

كيفية تيسير التكامل الاقتصادي؟

العقبة الكُبرى التي تواجه السوريين خلال حياتهم اليومية في تركيا هي مشكلة إتقان اللغة. لهذا يدرس الطلاب السوريين المقيمين في مراكز الإيواء 3 حصص لتعلم اللغة التركية في الأسبوع، ويجتمعون مع غيرهم من السوريين خلال باقي الأسبوع. وعلى السوريين الراغبين في الالتحاق بالجامعات التركية اتقان مستوى 1C, إذ من الصعب قبولهم بدون إجادتهم للغة التركية. فعلى سبيل المثال يتمكن 39 سوري فقط حتى الآن من الحصول على شهادة 1C لإتقان اللغة من أصل 25 ألف سوري مقيم في مخيم إلبيلي بمدينة كِلّس التركية. ويُطبق هذا الأمر أيضاً على السوريين المُقيمين في المناطق الحضرية من خلال تعلم اللغة في المراكز الاجتماعية وعن طريق التعامل اليومي مع الأتراك. وفي كلتا الحالتين، داخل وخارج مُخيمات الإيواء السورية لن يتمكن السوريين من لمس التأثير الإيجابي لتعلم اللغة التركية إلا من خلال الاندماج الاقتصادي والاجتماعي داخل المجتمع التركي.

أما العقبة الثانية في طريق التكامل الاقتصادي هي عدم وجود معلومات مُفصلة عن السوريين المقيمين في تركيا. وكل ما لدينا الآن يسمح لنا بمعرفة معلومات محدودة جداً عن السوريين في تركيا. وتمتلك المديرية العامة للهجرة قاعدة البيانات العامة الوحيدة والمُسجل بها العمر والجنس والمحافظة. ويتعين على تركيا تجميع بيانات مُفصلة عن السوريين المقيمين في تركيا، إذا أرادت ترسيخ وتطبيق سياسات تكامل فعّالة. ستتمكن السلطات المحلية التركية من تطوير مهارات السوريين بهدف مواكبة متطلبات سوق العمل من خلال الفهم الدقيق للمؤهلات العلمية والمهارات الوظيفية للسوريين.

ثالثاً: تدخل المجتمع الدولي الذي يسير وفق جدول زمني غير مُجدي ونحن الآن في العام السادس من الأزمة السورية. وتطمح غالبية المشارع الممولة دولياً إلى تحقيق تأثير على الصعيد المحدود، بينما تتعرض استراتيجية المشاريع الكبيرة إلى الإهمال. ونظراً لحالات النزوح الكبيرة في جميع أنحاء العالم، يجب العمل على تطوير آليات إضافية لتسهيل اندماج اللاجئين في كافة المجتمعات المُضيفة، وليس في تركيا فقط. فالتكامل هو السبيل الوحيد لإيجاد حلول مستدامة للمشاكل الناشئة بسبب الهجرة الجماعية مع تحقيق قدر من التماسك الاجتماعي. كما يتعين على المجتمع الدولي دعم البلدان المضيفة في جهودها الرامية نحو إيجاد والحفاظ على الفرص الاقتصادية الدائمة لهذا العدد الكبير من اللاجئين السوريين. وسيساعد تفعيل آلية تبادل الخبرات بين تركيا والدول التي لها تاريخ طويل في استضافة ودمج اللاجئين داخل مجتمعاتهم في وضع خارطة طريق طويلة الأمد لاندماج السوريين داخل تركيا.

رابعاً: يجب على الحكومة أن تتخذ المزيد من الخطوات الفعالة في وضع وتنفيذ إطار التكامل المستدام. وقد أفادت التقارير أن رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو أجرى اجتماعاً مع وزير التنمية وعدد من الوزراء للعمل على تنفيذ “خطة التكامل الرئيسية”. وسنرى الآن مدى تحمل الحكومة الجديدة مسؤولية هذه المبادرة. وقد حُسم موقف الحكومة التركية من قضية اندماج السوريين في المجتمع التركي من الناحية القانونية والنفسية بعد انقلاب 15 يوليو/تموز، بغض النظر عن الزخم السياسي الذي صاحب هذا الشأن. كما يعلب القطاع الخاص دوراً مهماً في هذا الصدد، إذ لن يتحقق الاندماج التام للسوريين إلا من خلال توفير فرص عمل للاجئين لكسب قوت يومهم.

تعيش تركيا الآن حالة من التوازن بشأن تواجد اللاجئين السوريين بها بعد مُضي خمس سنوات من تبنيها لسياسة الباب المفتوح. وقد وقعت تركيا اتفاق مع الاتحاد الأوروبي في شهر مارس/آذار 2016 ينص على منع اللاجئين من العبور إلى الدول الأوروبية من خلال تركيا. ويجب الآن على كافة الجهات والمؤسسات استيعاب فكرة أزمة اللاجئين السوريين وأنها لم تعد “مشكلة مؤقتة”, مع وضع سياسيات تهدف إلى ترسيخ التكامل الدائم للاجئين. ولذلك جاءت سياسة تركيا المُشار إليها سابقاً في وقتٍ مهم وحيوي، إذ غيرت سياسة “استضافتها للاجئين السوريين” إلى “مساعدتها للاجئين السوريين في كسب قوتهم”.

Related

Simple Share Buttons