الانتخابات التشريعية مصر 2015: رسائل واعدة للمعسكر الديمقراطي

من الوهلة الأولى، قد يبدو أن الجنرال عبد الفتاح السيسي نجح في الحصول على البرلمان الذي كان يريده.

ملخص

من الوهلة الأولى، قد يبدو أن الجنرال عبد الفتاح السيسي نجح في الحصول على البرلمان الذي كان يريده. فقد تمكن من تجنب أية نتائج غير منتظرة خلال هذه الانتخابات البرلمانية، وفاز التحالف الانتخابي الذي دعمه بطريقة غير رسمية (في حب مصر). ولكن من جهة أخرى قدمت هذه الانتخابات للمعسكر الديمقراطي مؤشرات واعدة حول حقيقة قوة النظام الدكتاتوري الحالي، وحول قدرته على الاستمرار.

مثلا، أدت حملة المقاطعة الشعبية والحزبية الواسعة لهذا المسار الانتخابي، إلى إثارة الشكوك حول الشرعية السياسية للنظام. كما تبين أن قدرة نظام السيسي على الحشد والتجنيد السياسي ضعيفة جدا، مقارنة بقدرات النظام السلطوي السابق لحسني مبارك.

وأخيرا؛ كشفت هذه الانتخابات أن نظام السيسي هو خليط من الدكتاتورية الفردية والعسكرية، الذي يتصف بمركزية الدكتاتور الفرد، وضعف المؤسساتية، وعدم القدرة على توزيع المناصب والمكافئات إلا على دائرة ضيقة من المساندين، وهو ما يؤدي عادة ألى تهديد استقرار واستدامة هذا النظام.

تم إجراء أول انتخابات برلمانية مصرية منذ الانقلاب العسكري، بين 17 تشرين الأول/ أكتوبر والثاني من كانون الأول/ ديسمبر من هذا العام، ورغم أن العديد من الملاحظين قللوا من أهمية هذه الانتخابات ورمزيتها السياسية، فإنها أعطت مؤشرات هامة حول طبيعة النظام الاستبدادي الذي هو بصدد التشكل في مصر، وتلميحات حول مستقبل التحول الديمقراطي فيها.

الانتخابات “شر لا بد منه”

هنالك مؤشرات قوية تفيد بأن الجنرال عبد الفتاح السيسي كان مترددا بشأن دعوة الشعب للانتخابات البرلمانية. فقد قام مثلا بتأجيل الدعوة للانتخابات لفترة أطول من المتوقع، مستغرقا بذلك حوالي سنتين بين إصداره للدستور الجديد في كانون الثاني/يناير 2014 وتنظيم الانتخابات البرلمانية في تشرين الأول/أكتوبر 2015.

بالإضافة إلى ذلك فإن السيسي عبر بكل وضوح عن عدم رضاه على الصلاحيات الممنوحة للبرلمان في دستور 2014، الذي يقول عنه أنه “كتب بنوايا حسنة”، فقد جاءت هذه الصلاحيات مضاهية لتلك الممنوحة للرئيس، ولهذا انتشرت الشائعات حول إمكانية تعديل الدستور الحالي لمنع البرلمان الجديد من تشكيل حكومة، ومناقشة أو مراجعة 350 قانونا أصدرها السيسي خلال الفترة الاستثنائية التي جمع فيها بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

مثل أي حاكم عسكري تقليدي، فإن فكرة تقاسم السلطة تبدو غريبة عن تصور السيسي للحكومة الفعالة. وقد قال الدكتور نزيه نصيف الأيوبي، “أن القادة العسكريين، أثناء استحواذهم على السلطة بعد الانقلاب (الذي يسميه البعض موجة ثورية)، يظلون دائما متوجسين خيفة من السياسة ويشككون في جدواها، وما تمثله من اختلاف في الإيديولوجيات والمصالح. بالإضافة إلى ذلك، فإن هؤلاء الجنرالات يظلون متخوفين من الديمقراطية بما أنهم لا يعرفون إلى أين ستقود البلاد.

وأكد الأيوبي أن نظرة العسكر للسياسية هي بالأساس بيروقراطية وإدارية، إذ أنهم لا يسعون لإدارة الشؤون السياسية عبر أسلوب الحوار والتوفيق بين المصالح والرؤى المتعارضة، بل عبر أسلوب يرتكز على منهجية “الأوامر – الطاعة” العسكرية .

هذه الملاحظات قد تفسر نظرة الجنرال السيسي للانتخابات البرلمانية على أنها شر لا بد منه، ولا فائدة منها غير استكمال شروط الحصول على الشرعية، وليس كفرصة لتمثيل آراء مختلف التيارات السياسية ومصالح المجموعات المتنافسة.

ولكن لتجنب أية نتائج غير منتظرة، عمل السيسي على تهيئة الظروف المناسبة قبل الدعوة للانتخابات. فقد قاد حملة قمع وحشية ضد الإخوان المسلمين (الذين يمثلون أهم معارضيه وأحد أكبر القوى السياسية في مصر)، بالإضافة إلى عدة حركات ثورية أخرى مثل حركة “6 أبريل” والنشطاء المدنيين واليساريين.

بالإضافة إلى ذلك، فقد قام بإقصاء الوجوه السياسية والأحزاب المرتبطة بحراك ثورة 25 يناير، حتى أولئك الذين ساندوا انقلابه العسكري، الذين ينعتون – بشكل منتاقض – بأنهم “الجناح الديمقراطي داخل معسكر الانقلاب”، فاسحا المجال لمجموعات وأحزاب ومرشحين مستقلين، ينحدرون في أغلبهم من حزب حسني مبارك المنحل، الحزب الوطني الديمقراطي. ولذلك فقد قررت عدة أحزاب وتحالفات مقاطعة الانتخابات.

وبالأخير قام السيسي بتضييق المنافسة في هذه الانتخابات، لتنحصر بين أولئك الذين يساندونه وأولئك الذين يساندونه أكثر. حيث دعا بكل تناقض كل الأحزاب المصرية المتنافسة إلى تشكيل ائتلاف انتخابي موحد (ضد من؟) كشرط ليحصلوا على دعمه. وبعد ذلك، قرر بشكل غير رسمي أن يساند تحالفا انتخابيا يسمى “في حب مصر” تم تشكيله من قبل وجوه سياسية مساندة للنظام وعدد من الأحزاب، أغلبها يقوده أعضاء سابقون في الحزب الوطني الديمقراطي.

انتصار حاسم في معركة بلا قيمة

تبين النتائج الأولية للانتخابات البرلمانية أن الجنرال عبد الفتاح السيسي نجح في الحصول على البرلمان الذي كان يريده، فالتحالف الانتخابي “في حب مصر” فاز بالمائة وعشرين مقعدا المخصصة للقائمات المغلقة في كلتا الجولتين، والمرشحون المستقلون حصدوا 56,9 بالمائة من المقاعد، على حساب المرشحين الحزبيين الذين فازوا ب43,1 بالمائة. والحزبان الفائزان هما حزب المصريين الأحرار الليبرالي (فاز ب65 مقعد من أصل 596 مقعد)، وحزب مستقبل وطن (الدولاتي) الذي حصل على 50 مقعدا.

وبلا شك فإن سيطرة الأعضاء المستقلين، وتشتت المقاعد الحزبية بين 16 حزبا (تسعة منها حصلت على أقل من عشرة مقاعد)، سيؤثر بشكل سلبي على استقرار وفاعلية البرلمان.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أعلن ضابط المخابرات السابق سامح سيف اليزل، وهو منسق تحالف في حب مصر، أنه سيقود تشكيل كتلة برلمانية مساندة للسيسي مكونة من أعضاء مستقلين.

من جهة أخرى هنالك العديد من الأسباب التي تدفع نحو التشكيك في أهمية هذه النتائج التي قد ينظر إليها على أنها انتصارات: أولا وقبل كل شيء، كانت نسب إقبال الناخبين ضعيفة جدا، فقد أعلنت اللجنة العليا للانتخابات أن نسبة المشاركة في الجولة الأولى والثانية من الانتخابات البرلمانية المصرية بلغت 28,3 بالمائة، ولكن مشاهد مراكز الاقتراع الخالية وغياب طوابير الانتظار الطويلة يشكك في دقة هذه النسب، وقد استعمل عدد كبير من المراسلين الإعلاميين والمعلقين السياسيين عبارة “انتخابات بلا ناخبين” لتوصيف الوضع.

كما أن التصريحات الحكومية المتضاربة حول نسب الاقبال في بداية التصويت زادت من الشكوك حول هذه الأرقام، فقد أعلن رئيس الوزراء شريف إسماعيل بعد اليوم الأول أن نسب إقبال الناخبين تراوحت بين 15 و16 بالمائة، بينما قال مستشاره لشؤون الانتخابات أنها بلغت 22 بالمائة، وقال وزير التنمية المحلية أنها بين 11 و15 بالمائة.

وكانت تصريحات بقية المسئولين أكثر غرابة، فعلى سبيل المثال، أعلن المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات أن نسبة من صوتوا في النصف الأول من اليوم الأول لم تتجاوز 2,27 بالمائة.

هذه المقاطعة الشعبية رافقتها أيضا مقاطعة حزبية واسعة، فقد قررت عدة أحزاب (أغلبها أحزاب إسلامية)، وتحالفات حزبية منتظرة، الانسحاب من الانتخابات لأسباب سياسية أو لنقص الموارد المالية أو لكلا السببين.

فبالإضافة إلى حزب الحرية والعدالة، الذي كان يحكم في السابق، والذي تم حله قانونيا، فإن قائمة الأحزاب المقاطعة شملت أيضا، حزب مصر القوية، حزب الوسط، حزب الوطن، حزب البناء والتنمية، حزب العيش والحرية، التيار الشعبي وقائمة صحوة مصر.

هذه المقاطعة الشعبية والحزبية الواسعة للمسار الانتخابي، ألقت بظلالها على شرعية هذا المسار، وزادت الأحاديث عن “النوايا السيئة” التي يضمرها الجنرال عبد الفتاح السيسي تجاه الصلاحيات الواسعة الممنوحة للبرلمان في الدستور الحالي، وهو ما جعل من الفوز في هذه الانتخابات البرلمانية فوزا عديم القيمة.

رسائل واعدة لم يتم إيصالها بعد

على الرغم من تأثيرها المحدود على الواضع السياسي الراهن في مصر، فإن هذه الانتخابات البرلمانية بعثت برسالة هامة فيما يخص قوة واستقرار هذا النظام الاستبدادي الحديث التكوين.

أولا، تثير المشاركة الانتخابية الضعيفة جدا وتراجع المشاركة الحزبية في هذه الانتخابات تساؤلات حول شرعية النظام السياسي الحالي. وكما هو معلوم، فإن الشرعية السياسية ليست فقط واقعا نظريا يقاس بمعايير نظرية، بل هو أيضا حقيقة اجتماعية تقاس بمواقف المواطنين وسلوكهم.

وتتضمن نظريات علماء السياسة حول الشرعية السياسية ما يسمى “بعلامات القبول”، التي تعني التصرفات الإيجابية التي تعبر عن اعتراف المواطنين بسلطة الدولة، والاستعداد العام لتنفيذ قراراتها، ومن بين علامات القبول هنالك التصويت في الانتخابات، ودفع الضرائب…

ورغم أن البعض يدعي بأن المشاركة الانتخابية الضعيفة ليس لها أي معنى محدد، كأن تكون مؤشرا على حالة الملل الفردي وانعدام الاهتمام بالشؤون السياسية ككل وليست “عملية تمرد صامتة”، فإنه حتى الملل وانعدام الاهتمام يعدان من العلامات السلبية فيما يخص الشرعية السياسية.

الرسالة الثانية المهمة تتعلق بالقدرة السياسية ودرجة تماسك النظام السياسي الحالي، فقد شاهد الجميع خلال هذه الانتخابات أن كل الأحزاب والتحالفات المشاركة فشلت في استقطاب مرشحين بارزين، وكانت قدرتها على حشد الأنصار محدودة جدا (رغم اعتماد وسائل غير مشروعة مثل شراء الأصوات). كما أن المشاجرات العلنية والمعارك الكلامية بين عدد من أبرز مساندي السيسي والقوائم الانتخابية (مثلا بين “في حب مصر” و”نداء مصر”) زادت من سوء الأوضاع.

هذه الحقائق تفند الادعاء بأن النظام السابق عاد كما كان، أو أنه عاد بحال أفضل مما كان عليه. وبلا شك فإن وحشية الأجهزة الأمنية وقبضتها المحكمة على المجال السياسي أصبحت الآن أقوى من عهد مبارك، ولكن رغم ذلك فإن قدرة نظام السيسي على تجنيد الكوادر السياسية والحشد أثبتت ضعفها.

هذه الحقيقة تقودنا إلى رسالة ثالثة، والتي أعتقد أنها الأكثر أهمية، حول مصير النظام الاستبدادي الحالي في مصر. فالدكتورة “باربرا جيديز” تصنف الأنظمة الاستبدادية إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول هو الأنظمة القائمة على الحكم الفردي، والتي يكون فيها الوصول للنفوذ السياسي والمناصب مرتبطا في أغلب الأحيان برغبات قائد فرد. والنوع الثاني هو الأنظمة الاستبدادية العسكرية، حيث تقرر مجموعة من الضباط من الذي سيحكم وتمارس نفوذها على القرار السياسي. والنوع الأخير هو أنظمة الحزب الواحد، التي يكون فيها الوصول للمنصب السياسي والسيطرة على السياسة بيد حزب واحد.

وبحسب “جيديز” فإن الأنظمة الفردية والعسكرية هي أقل استقرارا وأكثر هشاشة من أنظمة الحزب الواحد. وقد كشفت هذه الانتخابات أن نظام السيسي هو خليط من الاستبداد الفردي والعسكري، الذي يشكل فيه ضعف المؤسسات ومحدودية القدرة على توزيع المكاسب والمناصب واقتصارها على قاعدة ضيقة من المساندين، تهديدا لاستقراره واستمراريته.

الجانب المحزن في هذه القصة هو أن المعسكر الديمقراطي في مصر يبدو منهكا جدا ومحبطا ومنقسما، لدرجة تعيقه عن تلقي هذه الرسائل. فبين هؤلاء القابعين في السجون، وأولئك الموجودين في المنفى، والذين بقوا في مصر ولكن يخضعون لرقابة مشددة من قبل السلطات، لا يوجد أي فريق قادر على تحقيق الاستفادة من هذه الفرصة. وما دام الديمقراطيون في مصر عاجزين عن تجاوز صدمة الانقلاب العسكري وإنهاء الخلافات الداخلية بينهم والاتفاق حول خطة عمل مشتركة، فإن الوضع السياسي في مصر سيبقى في حالة “توازن الضعف”.

Related

Simple Share Buttons