الاندفاع البريطاني إلى الحرب في سوريا وتجاهل الواقع

ليس من المرجح أن ينضم الشعب السوري إلى الحرب على تنظيم داعش، قبل أن تلتحم وتتوحد إرادتهُ.

كاميرون تحدث بكل واقعية عن ضرورة انضمام بريطانيا إلى قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش، ليس فقط في العراق بل أيضا في سوريا، مقدماً أمام البرلمان الأسباب التي يراها مبررةً لهذا الانضمام. ليس هناك شيء غريب في ما حصل على نحوٍ استثنائي، خصوصاً عندما تُحرك الآلةُ الديمقراطية لأجل خدمة قضية تمس حياة المواطنين وينطوي عليها إهدار للموارد المادية والمعنوية. لكن الذي أثار قلق مجلس نواب بريطانيا كان كارثة الحرب البريطانية أمريكية في العراق، ولربما لم يضطر كاميرون لطلب تأييد البرلمان في قصف تنظيم داعش داخل سوريا لو لم يكن لقرار حكومة بلير بالمشاركة في غزو العراق عام 2003 الأثر البليغ على السياسات الداخلية لبريطانيا وعلى الوضع الراهن والمُتأزم في العراق.

بريطانيا تتخذ وضعاً متقدماً في التحالف الغربي ضد داعش في العراق، لكنه لا يعتبر وضعاً غير قانوني لأن القوة العسكرية الغربية في العراق تستند على التماس من حكومة عراقية شرعية. بينما يختلف الوضع في سوريا، حيث أن الحكومة السورية لا توافق على أية عمليات من هذا القبيل، وعلاوة على ذلك، تدخلٌ من هذا النوع لن يحمي بريطانيا قانونيا على المستوى الدولي. لذلك وجب على كاميرون الحصول على دعم برلمان بلاده قبل إرسال سلاح الجو الملكي لقصف سوريا. إذا كيف خاطب رئيس الوزراء مجلس النواب البريطاني في ظل كل هاته الإشكاليات التاريخية والقانونية؟ علماً وأن قرارات الأمم المتحدة التي تدعو إلى تعاون دولي مواجهٍ لداعش لا توفر أية شرعية قانونية لأي تدخل عسكري من هذا القبيل في سوريا. كاميرون حاول أن لا يحيل في خطابه على القانون الدولي وشرعية هذا التدخل، ويهرب بخطابه إلى الزاوية الأمنية الداخلية.  وجدير بالذكر أن ما تقوم به الولايات المتحدة والدول الأعضاء في التحالف في سوريا، وما بدأت فرنسا في الآونة الأخيرة به، لا يستند إلى أية دعامات قانونية دولية. والمبررات الأخرى التي قد تلجأ إليها هاته الدول في الواقع، هي مواجهة الخطر الذي أصبح عابرا للحدود الغربية. ويجدر بالذكر أن الموجة الأخيرة من الهجمات في باريس خدمت بشكل ملحوظ توجهات رئيس الوزراء البريطاني.

من ناحية أخرى، داعش لا تشكل خطرا كبيرا على المجتمعات الغربية، وقد لا تتردد داعش في مهاجمة بريطانيا إذا ما كان ذلك في وسعها. وهذا يُؤكده إحباط الأجهزة الأمنية البريطانية لعدد من مؤامرات داعش الإرهابية ضد بريطانيا. بيد أنها تشكل خطراً حقيقياً على حياة الناس واستقرار المجتمعات التي تسيطر عليها داعش، حيث السياسات الوحشية منتشرة والقوانين البدائية مفروضة على المدن والبلدات في شرق سوريا، وكذلك هنالك قيود شديدة على الأقليات الدينية وعلى الحريات العامة.

ومع ذلك، كاميرون لا يفهم أن مبررات التدخل ليست كافية لإقناع الرأي العام بهاته الخطوة الكبيرة والخطيرة. خصوصا عندما تقرر دولة ديمقراطية شن حرب اختيارا وليس اضطراراً، فالأحرى أن يشرح كيف يمكن تحقيق النصر في هذه الحرب. كاميرون متخوف من تكرار سيناريو العراق، ولذلك أوضح أن دور بلاده في الحرب سوف يقتصر على الغارات الجوية التي ستشن على المناطق التي تسيطر عليها داعش، دون أية عمليات برية. لكن الجميع يدرك أن الغارات الجوية لن تهزم بمفردها تنظيم داعش، خصوصاً أمام هجمات التحالف التي استمرت منذ عدة أشهر دون أن تحقق أية نتائج ملموسة. لكنه أكد في معرض خطابه أنه يملك معلومات إستخباراتية تفيد أن 70 ألف مقاتلاً سورياً على استعدادٍ لخوض معركة مكافحة داعش على الأرض، إذا توفرت هناك مساعدات عسكرية خارجية. هاته باختصار كانت حجج كاميرون، التي وإن كانت مدمرة عندما تفكر بنتائجها وفرضياتها السلبية والإيجابية، فإنها تظل بالغة الأهمية والخطورة في الصراعات الراهنة.

لكن كاميرون لم يبين في البرلمان النتائج الممكنة للحرب بعد التدخل البريطاني المقتصر على الضربات الجوية. والحقيقة هي أن دور الجيش البريطاني لن يغير مسار الحرب ضد داعش، خاصة بعد أن رَمَت فرنسا ثِقلها كله إلى جانب الأمريكيين. لكن يبدو أن بريطانيا هي أكثر اهتماما بتأمين دور سياسي معين في سوريا، أكثر من تسوية حربية بسيطة. ما لم يقله رئيس الوزراء أيضا هو أن لا بريطانيا ولا أمريكا ولا أي عضو من أعضاء الائتلاف، يعرف على وجه اليقين أية تفاصيل حقيقية عن القوة المضادة لداعش، والتي قوامها 70 ألف عسكري – على حد قوله.

من ناحية أخرى، يدرك محللو القضية السورية أن أكبر نسبة من أولئك الذين يعارضون داعش في شمال وشرق سوريا هم ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي(PYD)، والتي ليست سوى الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني (PKK) – وهي ميليشيات تم تصنيفها كمنظمة إرهابية في تركيا وفي مجموعة واسعة من الدول الغربية. وخلال الأشهر القليلة الماضية، ارتكبت هاته الميليشيات جرائم لا حصر لها ضد المواطنين العرب والتركمان السوريين داخل المدن والبلدات التي سقطت تحت سيطرتهم، شملت جرائم تطهير عرقي. وفي حين أنه لا يمكن هزيمة داعش دون دور تركي متقدم فإنه سيكوم من الصعب تصور المواجهة مع داعش على الأرض اعتماداً على القوات الكردية التي تراها تركيا كتهديد إرهابي، كذلك بالنسبة للعرب السوريين والتركمان.

إضافة لذلك فإن مجموعات القتال السورية الأخرى، سواء داخل الجيش السوري الحر أو خارجه، تعارض داعش. ولكن هذه الجماعات لن تكرس جزء من جهودها في مكافحة داعش دون قتال نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين في نفس الوقت. كما أن هاته الجماعات تملك الآن مواقف جذرية بخصوص الدور الروسي، لا سيما وأن روسيا أصبحت منذ 30 سبتمبر الماضي طرفاً رئيسياً في الصراع في سوريا. ففي البداية دخلت روسيا على الساحة السورية بهدف مواجهة داعش والإرهاب. لكن الأدلة تشير إلى أن الكثير من الجهد العسكري الروسي تم تخصيصه لحماية نظام الأسد واستهداف جماعات المعارضة السورية والمعروفة باعتدالهم. إذن ماذا سيكون موقف دول التحالف التي تقودها الولايات المتحدة وجها لوجه مع الدور الروسي، في وقت تزدحم الأجواء السورية بالطائرات الروسية والأمريكية والفرنسية، ويحتمل قريباً أن تنظم إليها الطائرات البريطانية كذلك؟ وماذا سيكون دور تركيا، ودول أخرى في المنطقة مثل السعودية وقطر، في المعركة ضد داعش أمام غارات جوية روسية تدمر حلفاءهم داخل المعارضة السورية؟

والمسألة الأخرى المثيرة والتي لا تقل أهمية عن خطورة هاته الحرب، هي مرحلة ما بعد الحرب. قبل عدة سنوات، تمكنت القوات الأمريكية رفقة حلفائها، كالصحوات العراقية، من طرد تنظيم القاعدة من الأنبار. لكن الذي حصل أن تنظيم القاعدة انشق إلى مجموعات صغيرة انتشرت في مناطق مختلفة من العراق ونفذت وما زالت تنفذ سلسلة من الهجمات على المدنيين وعلى أهداف من الحكومة العراقية. هاته المجموعات الصغيرة تحولت تحت إمرة داعش وتمكنت من الاستيلاء على ما يقارب ثلث الأراضي العراقية. ومن المؤكد أن دفع داعش إلى الخروج من الرقة ومناطق أخرى تحت سيطرتها داخل سوريا، لن يحدث فرقا كبيرا فيما يتعلق بمصير داعش أو مصير سوريا.

هنا يكمن قصر النظر الشديد للنهج البريطاني، وحتى النهج الغربي ككل، وجها لوجه مع المشكلة السورية. فدون إسقاط نظام الأسد وإرساء مؤسسات وبناء حكومي جديد في دمشق يضم غالبية السوريين، لن تكون هناك نهاية في الأفق لداعش أو الخطر الذي يشكله. فالسوريون وحدهم قادرون على القضاء على هذه الآفة. فمن الصعب أن نتصور وضعا يكون فيه الشعب السوري منضماً إلى معركة تصفية داعش دون أن يملك دولة سورية تعبر عن إرادته وتوحد قواه.

Related

Simple Share Buttons