إدارة الحكم وإعادة تشكيل الفوضى الإقليمية

تمثل الحرب الأهلية في سوريا تحديا للنظريات التقليدية والمقاربات المعروفة حول إدارة الحكم في المنطقة. إذ أن إيجاد حل لهذه الحرب الأهلية يستوجب عملية إعادة نظر عميقة، فيما كان يعتبر سابقا خصائص ثابتة تتصف بها المنطقة. إن إعادة تشكيل نظام إقليمي جديد تمثل اليوم حاجة ملحة، وتعتبر تركيا وإيران أكثر دولتين مؤهلتين للقيام بهذه العملية. وسيتطلب مثل هذا المشروع بناء علاقات عميقة ومستدامة بين الجانبين للتعاون على تحقيق المصالح المشتركة. ورغم أن العوائق أمام تحقيق هذا التكامل الثنائي عديدة، فإن تجاوزها ليس بالأمر المستحيل، فالمنطقة تحتاج اليوم إلى رؤية جديدة للمستقبل.

تحليل الحرب الأهلية السورية

إن المشاكل المتعلقة بالحرب الأهلية السورية ليست فقط على أرض الواقع، فهي مشاكل نظرية أيضا. فانتشار المجموعات المسلحة وتدخل مجموعة كبيرة من الفاعلين الدوليين، حول الوضع السوري من صراع ثنائي القطبية بين النظام البعثي وأعدائه، إلى صراع متعدد الأقطاب دخلت خلاله مختلف القوى المسلحة في حالة من تبادل الأدوار بين التناحر أحيانا والتكامل أحيانا.

وتبعا لذلك يبدو أن حجم الدمار والموت ليس مرشحا للتقلص في قادم الأيام، بما أن التفسيرات التي يتم تقديمها لأسباب نشوب الحرب الأهلية وأسباب تواصلها، تبدوا غامضة بقدر غموض الآفاق والوصفات التي يتم تقديمها للوصول إلى حل نهائي، ولكن رغم ذلك فإن تعدد الأطراف الدولية المتدخلة ليس العامل الوحيد الذي أدى إلى تعقيد الحسابات الاستراتيجية في هذه المسألة، بل إن غياب أي خطاب نظري يوصّف ويحلل الأحداث الدائرة بطريقة فعالة أيضا سبّب تعقيد المشكلة.

هذا الفشل في فهم الصراع؛ أدى إلى مضاعفات خطيرة أثناء تشكّل مختلف السياسات التي كان بإمكانها إحداث تأثير إيجابي على أوضاع المنطقة التي ازدادت تدهورا بسبب الحرب الأهلية السورية. سيكون دائما من الصعب وضع إطار عام لفهم حدث معقد مثل الحرب الأهلية، ليس فقط بسبب حجم هذه الكارثة الإنسانية وتعدد الأطراف المتداخلة، وتضارب مختلف الأجندات المتنافسة، ولكن أيضا لأن أحداثا مثل الحرب الأهلية السورية تتجاوز آفاق الإدارة السياسية التقليدية.

وقد انحصر توصيف طبيعة الصراع الذي غرقت فيه سوريا منذ سنة 2011 في 3 روايات مختلفة، حيث تم النظر إليه في البداية على أنه مجرد تواصل لسلسلة من الأحداث التي شكلت الربيع العربي، الذي انطلق من تونس بعملية إحراق محمد البوعزيزي لنفسه في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010.

وفي هذه الرؤية، تنظم سوريا إلى تونس ومصر كمثال للدول التي قررت فيها الشعوب إسقاط الأنظمة الدكتاتورية، وبحسب هذا التفسير فإن بشار الأسد كان في مواجهة حراك شعبي حقيقي، وكان من المفترض أن يسقط بشكل سلس ولا يصمد كثيرا. ولكن هذه الرؤية على ما يبدو أساءت تقدير حجم المقاومة التي سيبديها نظام الأسد، وقدرته على التشبث بالسلطة رغم فقدانه السيطرة على أجزاء هامة من البلاد.

ولكن هذه الرؤية أصبحت أقل قربا من الواقع، مع ظهور رواية ثانية تصف الأزمة السورية، وبحسب هذه الرواية فإن القوى التي وقفت ضد حكم بشار الأسد، لم تكن تتحرك ضمن سياق الربيع العربي، بل هي امتداد للثورات الملونة، كتلك التي عصفت بدول الاتحاد السوفييتي سابقا، مثل الثورة الوردية في جورجيا، الثورة البرتقالية في أكرانيا وثورة الأرز في لبنان، ثم الحركة الخضراء في إيران.

وبحسب هذه الرواية فإن الولايات المتحدة وفرت الأفكار والوسائل والدعم المادي للتحركات الشعبية بطريقة انتقائية، وبشرط ألا تشكل تهديدا للأنظمة الحليفة معها. ويظهر هذا من خلال امتناع القوى الغربية عن مساندة الثورة البحرينية على سبيل المثال. وقد أوضح هذا أن الأزمة السورية تمثل جزء من المساعي الأمريكية لتغيير النظام.

هذه الفرضية أحرجت أيضا النظام الإيراني، الذي وجد نفسه يدعم المظاهرات التي أسقطت حسني مبارك في مصر، على اعتبارها من النتائج البعيدة للثورة الإسلامية الإيرانية بحسب رأيه، بينما كان في نفس الوقت يعارض المظاهرات المعارضة لحكم الأسد.

ولكن هذه الرواية مكنت إيران وحلفاءها الإقليميين والدوليين من تصوير التحركات المعارضة للأسد كمخطط لمحاصرة الجمهورية الإسلامية، وعزل حزب الله اللبناني عن الدعم اللوجيستي الذي كان يتلقاه، وفرض الهيمنة الأمريكية على المنطقة التي كانت تعاني مسبقا من النتائج الكارثية لغزو العراق واحتلاله.

وقد أحدت هذه النظرة خيبة أمل كبيرة لدى العديد من مساندي الثورة الإسلامية الإيرانية، ووجدت إيران نفسها في مفارقة، حيث أنها تدعم دكتاتورا بشدة وتندد ببقية الدكتاتوريات في نفس الوقت.

أما الرواية الثالثة فهي تفترض أن الأزمة السورية تأتي في سياق الصراع بين الشيعة والسنة في المنطقة، وينفي هذا التفسير كون الدافع الحقيقي للأحداث في المنطقة هو الصراع سياسي بين القوى التي تدعم الدكتاتوريات وتلك التي تعارضها.

وقد أصبحت الطبيعة السياسية للصراع غامضة، ولم تعد الحرب الأهلية في سوريا قائمة على التقسيمات التقليدية بين القوى القبلية والجمهوريات الملكية وأعدائها، بل أصبح صراعا طائفيا يكون المعيار الأول فيه هو إن كان النظام أو التحرك شيعيا أو سنيا. ومن نتائج هذه النظرة، أن المجال المتاح للمناورة والتسوية أصبح منعدما، وتم فسح المجال لنظرة أخرى تعتبر أن العداء تجاه الخصوم لا يستند إلى الممارسات السياسية بل إلى الانتماءات المذهبية. هذه النظرة التي نفت البعد السياسي للصراع السوري، سمحت للأنظمة القديمة في المنطقة بتقديم نفسها كحارس للغالبية المذهبية وليست مدافعة عن مصالحها الخاصة.

هذه التفسيرات الثلاثة أثرت على إمكانية التوصل لحل للأزمة السورية، وأدت إلى تحول الحرب الأهلية إلى شيء عادي في المنطقة. وفي خضم هذه الظاهرة، لم تعد الدول الضعيفة والمنهارة مجرد انحراف ناجم عن اضطرابات مؤقتة، بل أصبحت تعبيرات واضحة على نظام حكم جديد في المنطقة. فدوامة العنف الذي أطلقته الحرب الأهلية في سوريا والعراق، تبدو السيطرة عليها صعبة جدا إلا إذا تم تحديد سبب هذا العنف بأنه ليس فقط نتيجة مباشرة لسياسات سيئة قام بها أشخاص سيئون، بل لوجود تغيرات هيكلية في نظام الحكم في المنطقة.

 

ظهور فوضى إقليمية جديدة

اختفى النظام الإقليمي الذي شكلته الدول، ليفسح المجال لنظام آخر لم تعد فيه التفاعلات منحصرة بين الدول، بل أصبحت تتضمن المجموعات والحركات المسلحة، وأصبحت فيه أيضا الحدود غير مضبوطة بحسب التنظيم الإقليمي المعروف. وباختصار فإن أمراء الحرب فرضوا نظامهم في المنطقة.

تاريخيا ظهر نظام أمراء الحرب لأول مرة في الصين وروسيا في أوائل القرن العشرين مع انهيار سلطة الدول المركزية، وفي الوضع الحالي تبدو الظاهرة منتشرة في أماكن واسعة من إفريقيا ويمكن أيضا ملاحظتها في أجزاء من آسيا والأمريكيتين، (وهذا النظام يعني امتلاك قادة العصابات المسلحة لسلطة عسكرية ومدنية، وتحول ولاء المواطنين نحو بدل الولاء للدولة المركزية).

أما في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإن هذه الظاهرة تتجسد بشكل واضح في تنظيم داعش. فالنظام الإقليمي الذي أنتجته الحرب الباردة حافظ على معظم الحدود الدولية في المنطقة، وبذلك أزال أكبر المخاطر التي تهدد بقاء الدول والأنظمة الحاكمة وهي مخاطر الغزو الخارجي. هذا مكن هذه الأنظمة من التركيز على الأمن الداخلي، بوصفه تحديا رئيسيا لبقائها في السلطة، بما أن هذه الأخطار لن تأتي إلا من داخل الحدود.

بما أن هذه الدول لم تعتمد على شعوبها لتأمين الموارد المالية والدعم، بل اعتمدت على دعم القوى العظمى، فإنها لم تكن في حاجة للبحث كثيرا على الشرعية الشعبية، طالما أنها تحظى بدعم إحدى القوى العظمى، وجهاز مخابرات قوي يمارس التعذيب والتجسس على المجتمع، من أجل احتكار العنف لدى الدولة وتشريع استعمال هذا العنف ضد الشعب.

ولكن الغزو الذي قادته الولايات المتحدة ضد العراق، وتدخلاتها المستمرة لدعم الأنظمة الحليفة لها، في غياب أي منافسة حقيقية من الاتحاد السوفييتي (أو روسيا)، كلها عوامل تظافرت لخلق أوضاع جعلت الدولتين السورية والعراقية غير قادرتين على المحافظة على احتكار العنف. فقدرة تنظيم داعش على افتكاك مناطق يسيطر عليها على امتداد دولتين قوميتين، يؤشر على بداية انهيار تقسيمات سايكس بيكو في المنطقة.

كما أن ذلك يعني مواصلة نظام أمراء الحرب خلق عدم الاستقرار والعنف، وهذا العنف لا يمكن احتواؤه في الحدود الوطنية القائمة حاليا. هذا لا يعني أن تنظيم داعش سيواصل بالضرورة تمدده، ولكن يعني أن وجوده سيتواصل وسيساهم في خلق مناخ من العنف سيضعف آفاق تحقيق الاستقرار والازدهار الإقليمي.

ممارسة الحكم بطريقة جديدة

إن ممارسة الحكم ليست ممارسة شاملة، بل هي ظاهرة تاريخية ودقيقة. إن النجاح في إدارة الحكم يتطلب فهما واضحا لطبيعة الدولة، فالفوضى المتفاقمة في المنطقة تعني أن الأنظمة التي تكون فيها الدولة ذات موقع مركزي تراجعت مفسحة المجال لنظام تهدد فيه فوضى أمراء الحرب بالانتشار والبقاء مثل المرض المزمن.

إن مفهوم إدارة الحكم الذي تشكل من النظريات الواقعية وسياسات الأمر الواقع التي أنتجتها الحرب الأهلية وخرافات الدولة القطرية، يحتاج اليوم إلى التأقلم مع محيط عالمي أصبح فيه الخطاب في العلاقات الدولية معتمدا على مسألة “الحرب على الإرهاب”، وأشكال جديدة من توازنات القوى.

إن ممارسة السياسة بأسلوب رد الفعل ينتج طريقة ممارسة للحكم يطغى عليها الميل نحو مواجهة وإطفاء كل الطوارئ التي تظهر، ويهدد بدفع السلطة إلى إبعاد التفكير الاستراتيجي الإيجابي وتهميشه، وتفضيل البحث عن المكاسب التكتيكية قصيرة المدى.

والميل نحو المكاسب الحينية والآنية هو أمر تواصل تحت تأثير الاعتماد على حقائق وبروتوكولات مرتبطة بالنموذج الدكتاتوري لإدارة الحكم. فنجاح السياسيين يقاس بمدى التزام سلوكهم بالمعايير الحالية لممارسة الحكم.

فالسياسيون الذين حالفهم الحظ ليجدوا أنفسهم مرتبطين بدول تمثل أكبر المستفيدين من النظام العالمي الحالي، يجدون أنه من السهل اعتبارهم أشخاصا ناجحين، بما أن سياساتهم وممارساتهم غالبا ما تتماشى مع إملاءات النمط الغالب على أساليب إدارة الحكم. والقادة السياسيون الذين يجدون أنفسهم في أوضاع ودول ليست مقربة من النموذج المهيمن، يمرون بأوقات عصيبة.

والتحدي الذي يواجهه صناع السياسة اليوم يتمثل في أن المنطقة تغيرت وهم لا يزالون يعملون وفقا لمنطق ومطالب هذا النموذج الذي لم يعد مناسبا. وهذا يعني أن الطبيعة غير المسبوقة للحرب الأهلية السورية يتم تجاهلها، وهنالك ميل نحو قراءة هذه الحرب بحسب خصائص النظام الإقليمي السابق، الذي كانت فيه الحدود الوطنية مقدسة ومغلقة بشكل محكم. ويبدو أن البعض يتوقع أنه إما ان يتم احتواء هذه الحرب، أو أن تركيبة المصالح والموارد التقليدية سوف تؤدي في النهاية إلى التوصل إلى حل.

إن التوصل لحل هذه الحرب الأهلية، يتم تخيله على أنه إما أن يكون انتصار طرف على الآخر أو نوع من التسوية عبر الوساطة التي تقوم بها قوى من خارج المنطقة، أو عبر التقارب بين تحالف سني شيعي، ولكن من المستبعد جدا أن تكلل أي من هذه السيناريوهات بالنجاح، وتتمكن من إطفاء نيران الحرب الأهلية السورية. وحتى لو كانت هذه السيناريوهات قادرة على ذلك، فإنه من المستبعد أن ذلك سيحد من آفاق اندلاع صراعات مماثلة بشكل تلقائي.

إن الحرب الأهلية السورية لا تهدد فقط الشعب السوري أو دول الجوار، بل أيضا نطاق الدول الإسلامية كافة، بما أن تعميق وتغذية هذا الصراع يهدد بتحويل الخلافات السنية الشيعية إلى صراع وجودي.

أما الحل القادم من خارج المنطقة، فإنه سيتضمن في الواقع نوعا من إعادة استعمار المنطقة، وهو ما سيؤدي إلى مزيد إبعاد شعوب المنطقة عن حلمهم بتحقيق السيادة الوطنية. ونظرا للميل الدائم للقوى الخارجة عن المنطقة لدعم الدكتاتوريات عوضا عن دعم الأنظمة التي تعتمد على الشرعية الشعبية، فإنه من المستبعد ان تنجح المساعي القادمة من خارج المنطقة لحل الحرب الأهلية في سوريا في التعامل مع الشرخ العميق بين الحكام والمحكومين، وهو الأمر الذي عانت منه المنطقة لزمن طويل.

كما لن ينجح الحل الإقليمي في تحقيق نتيجة أفضل، في ظل وجود التقسيمات الطائفية. مثل هذه المخرجات لن تثبت النظرة الطائفية للعالم الإسلامي، بل أيضا سوف تؤدي إلى تثبيت الادعاءات التي تروجها بعض أكثر الأنظمة دكتاتورية وعجزا في المنطقة، حول كونها القادرة على القيادة.

إن أكثر الحلول فاعلية للحرب الأهلية قد يكون مرتبطا بحل إقليمي يعالج الاختلالات الهيكلية العميقة في المنطقة، ويقدم إعادة تصور تاريخي ونظام جديد تقوم فيه الدول “الجادة” بالتعاون والتكامل لإرساء رؤية تذهب إلى ما أبعد من الحسابات الضيقة المتعلقة بالمصالح الوطنية. هذه الرؤية ستتحقق على الأرجح من خلال التعاون والاندماج بين تركيا وإيران في إطار علاقة شراكة دائمة.

فإيران وتركيا كلاهما يتمتع بعدد كبير من السكان المتعلمين، وبشبكة من منظمات المجتمع المدني، وبنية اقتصادية قوية وقيادات تأخذ بعين الاعتبار الراي العام وتعتمد على شرعية الشعب. إن بناء علاقة ثنائية طويلة الأمد كأساس لإرساء نظام جديد، وهو أمر لا يمكن لا لتركيا ولا لإيران تحقيقه بمفردها، يمثل أكبر إنجاز وتقدم يمكن إحرازه. مثل هذه العلاقات الثنائية قد تساعد على دحض فكرة الصراع السني الشيعي في قلب الحرب الأهلية. كما ستسوق لرؤية تفسح فيها الأنظمة المجال للإسلام وللشعوب للعب دور محوري وجدّي، عوض أن تتعامل معها السلطة بشكل تصادمي.

أما المكاسب طويلة المدى التي يمكن تحقيقها من هذا التقارب فيسهل رؤيتها، ولكن العوائق التي تقف أمام هذا التغيير عديدة ويمكن أيضا توقعها بسهولة.

إن العوائق التي تقف أمام إرساء تعاون مستدام وطويل المدى بين إيران وتركيا، يؤدي إلى انصهار المصالح بين الطرفين، يمكن تقسيمها إلى عوائق سطحية وعوائق مزمنة. ومن بين العوائق السطحية هنالك أولئك الذين يواصلون فهم والتفاعل مع السياسات الحالية لإيران وتركيا على أنها محددة بأوليات ومصالح ثابتة، وهو ما يجعل إمكانيات التغيير أمرا مستحيلا.

أما العوائق الأكثر صعوبة فهي متعلقة بطريقة إقناع صناع القرار وأصحاب الرأي في كلا البلدين، بالحاجة إلى تجاوز الخطابات والمواقف المبتذلة من أجل تأمين المستقبل.

على سبيل المثال، كان وضع حجر الأساس للتقارب الفرنسي الألماني في الاتحاد الأوروبي مبنيا على الاعتراف (اعتراف معنوي وفكري) بأن العداء بين هاتين الدولتين سبب الكثير من الدمار لأوروبا.

لقد كان الخوف من وقوع كارثة أخرى في المنطقة غير كاف بدون وجود رؤية شاملة لمستقبل مختلف وأفضل، وهي رؤية أوروبا يتم فيها وضع الخلافات القومية على الهامش، وتذويبها من خلال سلسلة من الإصلاحات الهيكلية والاندماج الإقليمي. وبداية من سنة 1950، مع انطلاق مسار خلق السوق المشتركة لتجارة الفحم والفولاذ، وإلى غاية سنة 1994 مع تعزيز الاتحاد الأوروبي، كان التعاون الوثيق بين فرنسا وألمانيا هو المفتاح لتحقيق هذه النجاحات.

إن قارة شهدت بين سنتي 1914 و1945 مستوى غير مسبوق من العنف أدى إلى مقتل وتشريد الملايين من الناس، كانت مستعدة لقبول مستقبل مختلف يكون فيه تجاوز الخلافات القومية ممكنا. والتحديات التي يواجهها سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا اليوم تعتبر أقل حدة من تلك التحديات، ولكن الوضع يبدو أسوء، بسبب غياب أي رؤية لمستقبل أفضل، يمكن التمسك بها في مواجهة التشاؤم الذي يزحف على المؤسسات القائمة حاليا. ولا توجد أي رؤية للمستقبل تعد بتحقيق العدالة والازدهار والسلام. ومن بين مآسي الحرب الأهلية السورية صعوبة تخيل نهاية لهذه الحرب، بسبب صعوبة التفكير في مستقبل أفضل.

Related

Simple Share Buttons